صبري القباني

210

الغذاء . . . لا الدواء

- على أطباق الأطعمة والخبز وكل ما يؤكل ويشرب ، كما تنقلها إلى فم الطفل وهو على ثدي أمه . إن علاجات الزحار منوعة وكثيرة . . فهناك : الأيمثين ، والستوفارسول ، واليانرين ، والباراميب ، ولكن الطفيليات بارعة في التهرب من مفعول الأدوية المضادة لها ، فما أن تفاجأ بدواء جديد ، حتى تتكور وتحيط نفسها بغلاف متين دائري الشكل ، تعيش شهورا داخله ، وقد تمتد هذه الشهور إلى سنوات . وهذا ما يطلق عليه اسم « الكيس الزحاري » أو « الديزانتريا المكيسة » « 1 » . وهكذا فقدت جميع الأدوية التقليدية قدرتها على إبادة الطفيليات الزحارية ، حتى كاد الناس - ومعهم الأطباء - أن يفقدوا الأمل ، لدرجة أن بعض البلاد ، كالولايات المتحدة ، حتمت فحص براز المهاجرين إليها للتأكد من خلوه من الطفيليات الناقلة للزحار . ولكن دواء جديدا ظهر منذ سنوات ، أطلق عليه اسم « الأوريوميسين » انتشى الأمل في القلوب بمفعوله القوي في حالة الديزانتريا المزمنة ، فتهافت المرضى عليه غير محترسين من محذوراته ، بل وحتى دون الاستعانة بالأطباء ، غير عالمين بأن الأوريوميسين يلهب الأمعاء ويؤذيها إذا كان متعاطيه مصابا بالتهاب الكولون ، الأمر الذي يفطن إليه الطبيب فيحدد مقادير العلاج ومواعيده وفق الحاجة . وسها أولئك المرضى عن حقيقة أخرى ، بالغة الأهمية ، وهي أن وجود الدواء القاضي على المرض لا يعني أن المريض قد اكتسب مناعة دائمة ، ما دامت الأسباب المؤدية إلى الإصابة قائمة ، وما دام طعامه حاويا - بسبب ضعف الوقاية - على الطفيليات المسببة للمرض ، وهكذا يصاب بالمرض من جديد ، إما بسبب تناوله خضارا مسقية بمياه ملوثة ، أو بسبب الذباب ، أو أي سبب آخر . فإذا ما ضمن المريض ألا يتناول غذاء ملوثا بعد شفائه ، أمكنه أن يتصور الشفاء الكامل ، الأمر الذي لا يتحقق - عمليا - إلا باتخاذ أسباب الوقاية على مستوى الدولة والمواطنين معا ، فيقضي على الذباب قضاء مبرما ( كما فعلت بلاد أخرى ) . وتؤمن للخضار والفواكه طرق مضمونة لغسلها وتعقيمها ، ويحال بين المواطنين وبين المياه الملوثة ، وترش الطرق والشوارع بالمياه النقية فقط . . وبهذا وحده نستطيع أن نأمل بالقضاء على ذلك المرض الذي ينهك قوى المصابين به ويكبد الدولة كل عام ملايين الليرات تصرفها على تدارك أدوية تحقق شفاء مؤقتا لا فائدة منه ، فأنصاف الحلول هنا لا تجدي ، ولا بدّ من اجتثاث المرض من أساسه ، بوسائل حاسمة .

--> ( 1 ) انظر كتاب « طبيبك معك » ص 123 .